تعزيز القيم

د. محمد النغيمش
في عالم الإدارة لا تنبثق رؤية ولا استراتيجية ولا أهداف جوهرية إلا بالاستناد على منظومة القيم .. لأنها منصة الانطلاق .. فقبل التخطيط ندون قيمنا المؤسسية بل وحتى الفردية، ذلك أن المؤسسة التي تتصدر قائمة قيمها: الفساد، والجشع، والكذب، والقسوة، ستختلف خططها كلية عمن تتمحور قيمها الاستراتيجية حول: النزاهة، والعطاء، والصدق، والإحسان.

باختصار القيم values هي عمود الخيمة الذي يرتكز عليه كياننا وسلوكنا وردود أفعالنا .. نرى ذلك جلياً عندما ينحدر أحد نحو السباب والفضاضة فيمتنع الفرد عن النزول إلى ذلك المستوى الهابط لأن قيمه تردعه. ومن «تحمِهِ» قيمه النبيلة، يصعب أن يحمل مشروعاً تخريبياً أو شريراً .. ولذلك قبل أن نضع أهداف مؤسسة جديدة كأعضاء مجالس إدارة نفكر ملياً مع الإدارة العليا بما هي القيم الرئيسة التي تجمعنا كمساهمين، مثل الجودة، والنزاهة، والإتقان، والالتزام.. هي ليست كلمات منمقة تزين مواقعنا الإلكترونية، ولكنها أركان يشيد عليها بناؤنا وخططنا.

وعلى الصعيد الفردي، لن يستغرب أحد حينما يُقدم موظف على الاستقالة كرد فعل تجاه إصرار مسؤوله على دفعه للكذب والتحايل لتحقيق مكاسب غير مشروعة، فرأس مال المرء قيمه. أخطر القيم وأسوؤها تلك التي يضمرها المرء خشية انكشاف أمره. مثل ميله نحو الظلم أو التمييز في استخدام السلطة، أو الرغبة الدفينة بالغدر والخداع لتحقيق مكاسب شخصية .. ومنها الأنانية المفرطة التي تركز فقط على المصلحة الشخصية دون مراعاة اعتبارات الآخرين وتطلعاتهم، الأمر الذي يضعف التعاون ويؤجج الصراعات المستمرة .. هناك من يؤمن بقيمة الكسل ويمارسه كشطارة منه حتى وإن تدنت بسببه الإنتاجية وتعطلت مصالح الناس!

ولأن أمر القيم مسألة في غاية الأهمية لارتباطه في العمل وتحقيق الأهداف؛ فقد بدأت بواكير المزج بين القيم والنظريات الحديثة في الإدارة بأعمال العالم ماكس ويبر، الذي يعد من أوائل من تحدثوا عن تأثير القيم على العمل والإدارة، حيث ربط بين القيمة الدينية كالعمل الجاد وتطور المجتمعات اقتصادياً، وأبو الإدارة الحديثة بيتر دراكر، الذي شدد على أن نجاح أي منظمة يعتمد بدرجة كبيرة على تبنيها لقيم قوية وواضحة.. ولذلك نجد في الواقع أن الجودة قيمة أصيلة في كل ما تجود به قريحة صانعي منتجات شركة أبل من هواتف وأجهزة لوحية وحواسيب.. فصار الناس يشترون جهازاً جديداً ليس لأنه قد تعطل بل لرغبة في التجديد.

ولا نستطيع تحميل القيم جل إخفاقاتنا، فهي مجرد أساس للتخطيط، فقد يكون سبب التراجع ضعف في الإدارة أو تراخي في التنفيذ أو غياب الخطة الواقعية أصلاً، أما القيم فتعتبر الهيكل العام لقوام المؤسسة التي تحميها من الانحدار الأخلاقي والقيمي، وهي أساس متين لكل مشروع كبير.

ولذلك كان لا بد من مشروع يعزز القيم أو يحيي فكرة ممارستها .. مثل تثقيف الموظفين الجدد بين حين وآخر بمعنى القيم وأنواعها والتفريق بين القيم العادية والقيم الحاكمة التي تحكم سلوكياتنا، أو بالأحرى لا يمكن أن يتخيل المرء نفسه يحيا من دونها .. فحتى المسؤولين أنفسهم بحاجة إلى تذكير بالقيم المؤسسية حتى لا تنحرف ردود أفعالهم وقراراتهم عن جادة الرصانة والمهنية.

ولا فائدة من وجود قيم غير مطبقة على أرض الواقع .. فكيف تزين جدران المبنى قيمة النزاهة في حين نرى فيها كل صور الفساد المستشري دون رادع. الفساد ظاهرة طبيعية مقولة لا أؤمن بها بشكل مطلق، فهناك دوماً ما يغذي الفساد منه غياب القيم التي نراها على أرض الواقع.

القيم ليست مفردات منمقة تزين الجدران، بل هي أساس تنطلق منه قراراتنا وخططنا وردود أفعالنا .. إن تبني القيم الصحيحة لم يعد خياراً بل أصبح ضرورة لتحقيق المزيد من النجاح والاستدامة.