د. محمد عاكف جمال
يشهد عالم اليوم بدء حقبة زمنية مثيرة للجدل، بل الأحرى مثيرة للقلق، حقبة قد تدوم لما يزيد على السنوات الأربع المقبلة، حقبة لها ملامح غير تقليدية على العديد من الأصعدة؛ سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وفي العديد من المجالات الأخرى، ومع أن معظم المتابعين للوضع الدولي يقرون بأن ما يجري على المسرح السياسي العالمي لم يكن غير متوقع، فالمؤشرات لم تتح لهؤلاء غير ذلك في ضوء تفاقم الأزمات في مناطق عدة من العالم، وتزايد القناعة لدى صنّاع القرار في العديد من الدول التي لها ثقل في الموازين الدولية بعجز النظام العالمي القائم عن احتوائها أو التخفيف من خطورة تداعيات تفاقمها، أو منع ما يمكن أن يظهر غيرها.بدأت هذه الحقبة مع صعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الحكم للمرة الثانية بزخم جماهيري شعبوي كبير يحمل وطاقمه أجندة صيغت معالمها في أطر نظرة استعلائية للآخرين، ومن ضمنهم أقرب حلفاء بلاده على الشاطئ المقابل للأطلسي الذي وصف قارتهم وتكرر وصفها مراراً على لسان وسائل إعلامه بـالقارة العجوز.
الرئيس ترامب بدأ منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض اتخاذ قرارات تنفيذية تثير القلق على مستويات عديدة: أمنية وبيئية وصحية وجغرافية تتجاوز ما للولايات المتحدة وحدها من صلة بهذه القضايا آنياً ومستقبلياً، فهي لا تعزز الاستقرار القلق أصلا في هذا المكان أو ذاك، لا بل تزيد من حدته من جهة وتوسع من حجمه من جهة أخرى.
هذه القرارات اعتبرت من قبل محللين سياسيين بمثابة بدء استراتيجية تموضع واشنطن حول المصالح القومية الأمريكية فحسب من منطلق توظيف شعار «ماغا»، الأحرف الأولى من شعار «اجعل أمريكا عظيمة مجدداً» الذي يحمله ترامب وطاقمه، في حين وصفها آخرون بأنها تفكيك ممنهج للدور القيادي للولايات المتحدة في النظام العالمي.
شعار «أمريكا أولاً» لا يسمح للولايات المتحدة إقامة علاقات متوازنة مع عالمها الخارجي فهي لا تستطيع حصرها في هذا الواقع الذي تعلنه دون معونة آخرين على مستويات متعددة سياسية واقتصادية وعسكرية.
فقد اتخذ الرئيس ترامب سلسلة من قرارات الانسحابات من منظمات واتفاقيات دولية لعبت فيها واشنطن على مدى عقود من الزمن أدواراً عززت من مكانتها القيادية ولسنا بصدد الدخول في تفاصيل ذلك، بل سنتطرق إلى واحدة منها فقط لكونها الأكثر أهمية على الصعيد العالمي وهي الانسحاب من اتفاقية باريس لعام 2015 حول التغيرات المناخية.
في هذا السياق، ثمة أمر على درجة كبيرة من الأهمية تطرقت إليه المؤتمرات الدولية وحظي بأقصى درجات الاهتمام في لقاءات رؤساء الدول وهو ما يتعلق بالالتزام بالتنمية المستدامة، فلسفة ذات طابع إنساني تشير بأن الموارد الطبيعية ليست لنا فقط لنوظفها لمصالحنا ونتصرف بها وفق شهواتنا بل إن للأجيال القادمة التي سترثنا الحق كل الحق للتمتع بها. والحقيقة أن هذا الالتزام بقدر ما يتعلق بموارد الطبيعة يتعلق بما تفرضه القواعد الأخلاقية نفسها حول موقفنا من الالتزام نحو البيئة التي علينا صيانة ثوابتها للأجيال القادمـة.
والحقيقة أن القرارات التي اتخذها الرئيس الأمريكي لا تفتح التساؤل حول مستقبل القوى المؤثرة في الواقع السياسي الدولي في آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، بل لا تستثني دور الولايات المتحدة نفسها في البقاء في موقع القيادة في العالم.
كان للعلماء الدور الأساسي في صناعة قدرات الولايات المتحدة على الهيمنة، فهم وراء صناعة كل القدرات التي صنعت ما للولايات المتحدة من قدرات لتبرز قوة عظمى ترسم وفق مصالحها معالم السياسة الدولية.
فهل يستطيع الرئيس ترامب نفي العلاقة بين حرائق الغابات في ولاية كاليفورنيا وفي غيرها التي عززتها دراسات علمية متخصصة بالتغيرات المناخية، وهل يتمكن مستشاروه نفي احتمال وجود علاقة بين تراجع ٌقدرات أداء قناة بنما، التي بدأ يطالب بعودتها إلى السيادة الأمريكية، في السماح بمرور البواخر فيها بهذه التغيرات.
من جانب آخر، لا يسعنا تناسي ما لهذه الاتفاقية من دور في فتح الباب أمام زيادة الاستثمارات، حكومات وأفراداً، في نشوء صناعات جديدة وتوسيع وتحسين ما هو قائم منها في مجال طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية أو طاقة موجات البحر أو طاقة المد والجزر أو البحث عن طرائق أخرى، وبشكل عام فتح آفاق جديدة بدافع أخلاقي إنساني للتفكير في حقوق أناس لم يولدوا بعد.