معالي ريم الهاشمي
قبل مئة عام من انعقاد إكسبو 2020 دبي، نحت الكاتب الحاصل على جائزة نوبل للأدب رومان رولان عبارته الشهيرة «تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة»، هذه الكلمات تصلح عنواناً لمسيرة بلدنا الحبيب، فالناظر بعين العقل المجرد وموازين الواقع إلى مقومات بلدنا عند نشأته قبل خمسين عاماً ما كان ليتخيل ما سيحققه وما سيصل إليه أبناؤه بقيادة جيل المؤسسين وقيادتنا الرشيدة التي أكملت المسيرة من بعدهم، ولكنها الإرادة الفاعلة التي تحيل المحال ممكناً والحلم حقيقة والطموح واقعاً نعيشه.
لقد غيرت القيادة الرشيدة آفاقنا كشعب، وجعلت بلدنا منبعاً للفرص، يقصده الناس من جميع الجنسيات للعيش والعمل فيه، ويسعون إلى العمل والشراكة معنا. وبفضل هذه التجربة، تعلمنا أن جمع الناس - على اختلافهم - حول أهداف مشتركة، وخلق الزخم اللازم لتحسين أوضاعنا، والعالم من حولنا، أمر ممكن. لقد رأينا ذلك بأعيننا، فتلك قصتنا وقصة وطننا.
في كتابي «عندما تتحرك الرمال: قصة إكسبو دبي - صناعة الأمل في أوقات عصيبة»، الذي صدر باللغة الإنجليزية، وقريباً ستصدر النسخة العربية منه، أسرد قصة فوز دولتنا باستضافة أول إكسبو عالمي يقام في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا.
وكيف فاز الملف الذي قدمته الإمارات على دول أكبر وتمتلك تاريخاً أطول في تنظيم الأحداث الكبرى، والنهج المبتكر الذي اتبعناه في تنظيم إكسبو، والصعاب التي تجاوزناها معاً، بما في ذلك جائحة كورونا العالمية.
كانت التحديات تبدو وكأنها جبال راسخة، من المنافسة مع الدول الأخرى؛ إلى الصعوبات اللوجستية لتنفيذ الحدث كما نرتئيه بشكل جديد مختلف عن كل ما سبق؛ ثم جائحة «كوفيد 19» التي زادت الأمور تعقيداً. هنا، كان للعقل أن يستسلم للتشاؤم، وأن يرى في هذه الظروف نهاية لحلم طال انتظاره. ولكن، في المقابل، كانت الإرادة الإماراتية تتأجج، مستلهمة من رؤية قيادتها الرشيدة، التي تؤمن بأن المحال ليس إلا نقطة انطلاق نحو آفاق جديدة.
لقد كان إكسبو 2020 دبي بمثابة تجسيد حي لتلك الفلسفة، حيث تمكنت دولة الإمارات من تحويل التشاؤم المحتمل إلى تفاؤل ملموس، ومن تحويل التحديات إلى فرص، ومن تحويل الأحلام إلى واقع. لقد كان إكسبو 2020 دبي قصة نجاح ملهمة، تثبت أن الإرادة الصلبة، المدعومة برؤية ثاقبة، قادرة على تحقيق المستحيل، وتغيير مسار التاريخ.
لا زال هناك الكثير مما يروى عن حكاية إكسبو دبي، وهذا الكتاب هو محاولة متواضعة لتسليط الضوء على عقد استثنائي، وعلى رؤية وقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي قادنا برؤيته وتوجيهاته لتنظيم إكسبو دولي هو الأكثر شمولاً على الإطلاق، بمشاركة متساوية لجميع الدول، واحترام وكرامة وفرص متاحة للجميع. وحرص على أن نبني مدينةً تكون مركزاً للابتكار والمشاريع والعيش المستدام، ومكّن فريق إكسبو 2020 من خدمة وطننا، مستلهمين قيمه ومثله.
الكتاب يحمل اسمي كمؤلفة، ولكنه حقيقةً قصة رؤية صاحب السمو التي ألهمت وطناً وجمعت العالم، وقصة شركائنا في كل أنحاء الإمارات والعالم الذين جعلوا إكسبو 2020 ممكناً، وقصة تحديات واجهناها وتجاوزناها، وإمكانيات أطلقنا العنان لها. إنها حكاية عن الناس في أفضل حالاتهم: عندما يكونون مبدعين ومبتكرين ومتعاونين وملهمين. باختصار، هو كتاب عن رؤية العالم من منظور جديد، والعيش والعمل معاً بطريقة مختلفة. وبتوثيق دروس هذه التجربة، آمل أن نساعد في إلهام قادة المستقبل والرواد وكل من يبحث عن الحلول للتحديات في كل مكان في العالم.
لقد تعلمنا من إكسبو 2020 أنه في اللحظات العصيبة، يقع على عاتقنا – أفراداً ومجتمعات – أن نسعى لتشكيل الأحداث نحو الأفضل. لا يمكننا الوقوف دون حراك منتظرين تحسن الظروف، بل علينا أن نستفيد من الظروف القائمة. لدينا القدرة على رسم مسارنا، وغالباً ما نقلل من شأن قدرتنا على تحسين أوضاعنا. يمكننا أن نكون واقعيين، ولكن لا يزال بإمكاننا اختيار طريق للمضي قدماً مبني على الأمل والإيمان بقدراتنا.
لم يكن إكسبو 2020 دبي مجرد حدث، بل كان رسالة أمل للإنسانية: رسالة تقول إنه حتى في أصعب الأوقات، يمكننا أن نصنع المستقبل الذي نريد، إذا كنا مستعدين للعمل معاً بروح الإبداع والتعاون. وهذا هو بالضبط ما جعل الإمارات، بقيادتها ورؤيتها، مصدر إلهام للعالم أجمع.
يقف إكسبو شاهداً على حقيقة أنه إذا تمسكنا برؤية قائمة على المساواة والشراكة بين الدول، وعملنا على حل المشكلات بشكل جماعي، فيمكننا النجاح في بناء الثقة اللازمة لإدارة تعقيدات العصر الحديث. إن الإيمان بأن الأمور لا يمكن أن تتغير للأفضل لا يؤدي إلا إلى إعاقتنا. التغيير الإيجابي – للأفراد والمجتمعات والعالم – لا يكمن في فعل واحد، بل في عمل تراكمي يتوج بالنجاح. وعندما تبدو العقبات والصعوبات مستعصية، يمكننا أن نجد العزاء في حقيقة أن العالم – مثل الرمال تحت أقدامنا – دائم التغير والحركة.