فلسفة المعتقدات الشعبية في دولة الإمارات

د. موزة غباش

في الجزء الثاني من سلسلة فلسفة التراث التي بدأتها، أجد من الأهمية بمكان فتح ملف المعتقدات الشعبية وتشخيصها فلسفياً.. ففي ظل تعقيدات التراث الإنساني، تظل المعتقدات الشعبية واحداً من أكثر جوانبه غموضاً وتحدياً، إذ تجسد حكمة المجتمعات في تفسير ما يفوق إدراكها من ظواهر كونية وقوى خفية.

فلسفة التراث هنا لا تقتصر على جمع الموروثات المادية، بل تتعمق في استكشاف الذاكرة اللامادية التي تخلقها المعتقدات عبر تفاعل الإنسان مع عوالم المجهول.. فحين تختلط حكمة البدو مثلاً بروافد الحضارة الحديثة، تبرز معتقدات لها هوية خاصة مرتبطة ببيئة المكان، تراوح بين سكون الصحراء وهبوب الرياح، وبين حركة النجوم وسلوك الكائنات الأسطورية، غير أن هذه المعتقدات تواجه إشكالية وجودية، فهي تعيش في صدور الناس منذ أزمان بعيدة، قد تكون أصبحت جزءاً من جيناتهم الوراثية، ليس في الإمارات فقط، بل في العالم أجمع، فالمعتقد وبغض النظر عن هويته يمارسه كل الناس في لحظات معينة، كلحظات المواجهة مع العالم فوق الطبيعي، دون إعلان أو تصريح.

نعلم أن التكتم في البحث عن المعتقد ينبع أحياناً من الخوف المشروع من تعارض بعضها مع المنطق أو الدين، أو مع الواقع المتغير، فمثلاً الاعتقاد بسلطة الأرواح في البيوت المهجورة، أو قراءة المستقبل عبر خطوط الرمل، تحيط به جملة واسعة من التأويلات والمحظورات والتعارض، لكن هذا التعقيد لن يمنعني من التساؤل بما أن المعتقد والموروث جزء أصيل من طبيعة تراثنا وتاريخنا ويقدم لنا خريطة علاقة الإنسان الإماراتي عبر العصور بالغيبيات، فهل يجب حماية التراث الشعبي كاملاً رغم تشتت بعض معتقداته؟ أم أن التجديد ضروري لتطهيره مما يناقض الواقع؟ الإجابة ليست بسيطة، لأن المعتقدات الشعبية ليست كلها مجرد أساطير وخراريف وأوهام، بل هي فلسفياً أنظمة رمزية تجسد صراع عقل الإنسان مع بيئته وواقعه، فالنخلة مثلاً من وجهة نظري هي كائن يحمل إشارات عن الصمود والبركة، حتى لو تعارضت بعض تفسيراتها مع العلم الحديث.

هكذا، يصير التراث الشعبي ساحة للحوار بين الأصالة والمعاصرة، بين ما يورث ويصان، وما يعاد صياغته ليلائم الوعي الجديد.

في كتابي التراث الشعبي لمجتمع الإمارات، الصادر عن معهد الشارقة للتراث عام 2022، وجدت أن المعتقدات الشعبية تنسج خيوطها كنظام يختلط فيه الوجود بالرمز، والعلم بالحدس.. ففي قصة ولد أصيب بالعمى فجأة بعد نظرة حاسد، وعلاجه عبر حرز من المطوع، تنكشف مأساة التفاعل بين الاعتقاد والواقع، وتطرح أسئلة عن كيف تصبح الخرافة حقاً معيشاً؟ هنا تبرز المعتقدات كحكمة تختزل تجربة الإنسان مع المجهول، حيث تتحول الأشياء العادية كعود السمر الشوكي، أو الكائنات الأسطورية إلى مرسلات بيئية تختبر حدود العقل والعلم.

وجدت أن جذور التراث الإماراتي تتغلغل في أعماق التاريخ، حيث تشكلت عبر تفاعل الإنسان مع بيئته الصحراوية والبحرية، منتجة لوحة ثقافية فسيفسائية فريدة تجمع بين حكمة البدو وخبرة الصيادين وتجارب الحياة اليومية. هذا التراث الذي يجب أن نجمع أجزاءه غير منقوصة، وهو تكليف واجب ليس على المؤرخين والمختصين والمؤسسات فحسب، بل على كل مواطن أولاً، ومقيم محب ومخلص يعيش على أرض الإمارات.

تعيد البيئة الإماراتية طرح سؤال: كيف يصير المكان لغة؟ فالبعض مثلاً يربطون هبوب الريح بنذير شؤم، أو ظهور الحرى ليلاً برسالة من الأسلاف، يختزلون تجربة اللاوعي البيئي بمفهوم يؤكد أن التراث يختزن تفاعلات بيئية تفوق التسجيل العلمي. وبالمثل، تصبح «اللولة» في البحر رمزاً للتوافقية البيئية المكانية التي تذكر الصياد بحدود قدراته.

كذلك تلعب المعتقدات المرتبطة بالطب الشعبي دوراً محورياً في الفلسفة التراثية الإماراتية.. فاستخدام أوراق النخيل أو أوراق السدر أو البخور لعلاج الأمراض لم يأت من فراغ أبداً، بل يعبر عن فهم عميق للطب الشعبي الذي يصبح كحوار مع الطبيعة.

مثلاً، وضع «مسواك الأراك» عند رأس المريض يختلط فيه الطقس العلاجي بالرمزية الدينية، حيث تُعتقد هذه المواد الطبيعية بحملها بركة إلهية. ويعتمد الإماراتيون، كما نعلم، على السيرة (الحكايات) لفهم الرموز، مما يؤكد أن التراث الشعبي يجمع بين التجريب واللاوعي الجمعي.

فلسفة المعتقدات الشعبية الإماراتية هي لبنة أساسية في فلسفة التراث العالمية، فهي تؤكد أن الإنسان من خلال تفاعله مع بيئته يخلق أنظمة تربطه بالبيئة التي يعيش فيها وتعيش فيه، وبين الخوف والحكمة، وبين المادة والروح، وبين الهوية التي صقلتها أيام طويلة صعبة راسخة، نتذكر أن تراثنا ومعتقدنا كله حاضر حي يعيد صياغة علاقتنا بالعالم.. وأن الثقافة المادية والمعنوية هما وجهان لعملة واحدة، وهي التي تخبرنا دائماً كيف نقرأ واقعنا ومستقبلنا ونواجه تحدياتنا ونجيب عنها بقلب واع وهوية تمتد جذورها بعيداً في هذه الأرض الطيبة المعطاء.

وللحديث بقية..



شريط الأخبار