عماد الدين حسين
أمريكا سوف تقترب من روسيا أكثر، لكن في المقابل سوف تبتعد عن أوروبا أكثر، وكذلك عن الصين، هذا واحد من أهم التوقعات التي يمكن فهمها من سياسات ومواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كتب الكثيرون في شرح وتحليل المصيدة التى نصبها ترامب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في البيت الأبيض يوم الجمعة قبل الماضي.غالبية الكتابات ركزت على الإهانات التي وجهها ترامب ونائبه دي جي فانس للرئيس الأوكراني، وحشره في الزاوية بضرورة توقيع اتفاق المعادن النادرة، تعويضاً عن المساعدات الأمريكية لأوكرانيا، التي اتضح أنها ديون، وليست منحاً ومساعدات، وكذلك ضرورة التوصل لتسوية سياسية مع روسيا لا تعيد كامل الأراضي الأوكرانية. كثيرون ركزوا على سرد وقائع عملية الإذلال الذي تعرض له زيلينسكي، ومنها مثلاً أن ترامب تناول الغذاء الذي كان مخصصاً له وقام بتوزيع وجبات الوفد الأوكراني المرافق على العاملين في البيت الأبيض!.
لكن ما يشغلنا أكثر هو الدلالات والنتائج التى يمكن أن تتمخض عن هذه «الخناقة» العلنية غير المسبوقة في عالم الدبلوماسية الدولية الحديثة. أغلب الظن أن ما فعله ترامب سيدفع أوكرانيا لتوقيع اتفاق المعادن قريباً، وسيقود إلى تخفيف أمريكا كثيراً من النفقات التي تدفعها لأوكرانيا منذ اندلاع الأزمة في فبراير 2022.
لكن النتيجة الأساسية لمجمل تصريحات ترامب منذ دخوله البيت الأبيض في 20 يناير الماضي، حتى خلال حملته الانتخابية، وما حدث في اجتماعه الأخير غير المسبوق مع زيلينسكي، هي أن روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين هما أكثر الرابحين من «السياسة الترامبية»، ليس مجرد ربح شكلي أو عابر، بل ربح استراتيجي فعلي لموسكو.
جوهر السياسة الأمريكية في عهد الإدارة الديمقراطية السابقة بقيادة جو بايدن ومعه كامالا هاريس، كان يركز على إغراق روسيا في «المستنقع الأوكراني»، من أجل استنزافها باقتصادها وأسلحتها وثرواتها وجيشها وشعبها، بحيث يتم تحييدها تماماً، ويتمدد «حلف الناتو» إلى الحدود الروسية الكاملة، وليس فقط عبر بعض دول البلطيق أو فنلندا.
«الانقلاب الترامبي»، إذا جاز التعبير، سيعني تغيير دفة السياسة الأمريكية للتقارب مع روسيا، ليس على حساب أوكرانيا فقط، كما يعتقد البعض، بل على أوروبا بأكملها كوحدة واحدة، ولم يكن عبثاً أن ترامب وصف الاتحاد الأوروبي الأسبوع قبل الماضي بأنه تأسس للإضرار بالمصالح الأمريكية، وأنه استفاد من الحماية العسكرية الأمريكية من دون أن يسدد ثمن ذلك، بل صار الميزان التجاري لبعض دول أوروبا فائضاً مع الولايات المتحدة.
الاستراتيجية الأمريكية منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت ترى أن أوروبا هي الصديق، وروسيا هي العدو، سواء في عهدها السوفييتي حتى انهيار سور برلين عام 1991، أو في عهدها «البوتيني»، وربما كان نشوب الأزمة الأوكرانية أفضل تجليات هذا التوجه.
صحيح أن أوكرانيا هي التى دفعت الثمن الأكبر، لكن ذلك كان في إطار الاستراتيجية الغربية. الأزمة الأوكرانية قادت عملياً إلى أن أوروبا اكتشفت أنها لا يمكنها الدفاع عن نفسها من دون المظلة العسكرية الأمريكية، وحينما عاد ترامب للبيت الأبيض، فإنه طالب أوروبا وحلف الناتو بأن يسددا ثمن الحماية الأمريكية، ثم طالب أوروبا بأن تتولى مساعدة أوكرانيا بدلاً من بلاده، بل وطلب من أوكرانيا أن تسدد بأثر رجعي كل ما حصلت عليه من الولايات المتحدة، باعتباره ديوناً، وليس مساعدات خيرية، وقدره 350 مليار دولار.
لو استمر موقف ترامب وإدارته كما هو من الأزمة الأوكرانية، فإن بوتين سيكون قد حقق معظم ما كان يطمح إليه، بمعنى أن أي تسوية للأزمة ستضمن لروسيا بعض الأراضي التى سيطرت عليها خلال الأزمة، ورفع العقوبات والعودة إلى الاقتصاد العالمي. وأحد الأهداف الأمريكية من وراء ذلك هو إبعاد روسيا عن الصين، كي يسهل للولايات المتحدة تعطيل أو تأجيل نموها الاقتصادي، بحيث لا تلحق بالريادة والصدارة الأمريكية.
لكن هذه النتيجة تفترض أن أوروبا ستقف متفرجة على «الانقلاب الترامبي». علماً أنه بعد «وصلة الإذلال» التي تعرض لها زيلينسكي في البيت الأبيض، فإن عدداً كبيراً من الدول الأوروبية، خصوصاً بريطانيا وفرنسا وألمانيا، سارعت إلى إعلان التأييد لأوكرانيا ورئيسها، والاعتراض على السياسة الأمريكية الجديدة، ورأينا قمة عاجلة ضمت 18 زعيماً أوروبياً عقدت في لندن الأسبوع الماضي، للبحث في كيفية مواجهة الانقلاب الترامبي، خصوصاً تأثيره العسكري على القارة.
لكن السؤال الجوهري: هل لدى أوروبا الكثير الذى يمكن أن تقدمه لأوكرانيا بخلاف التصريحات الكلامية العاطفية، أم أن «الانعطافة الترامبية» قد حسمت الأمر، ولم يبق لأوكرانيا إلا أن تقبل بالمقسوم الجديد، ولم يبق أمام أوروبا إلا الانحناء حتى تمر عاصفة ترامب، ثم تبحث بعد ذلك في تأسيس قوة أوروبية عسكرية مستقلة، بعيداً عن الهيمنة الأمريكية؟.