المصالح والمنح والاستقلال

أمينة خيري
ضمن علامات الاستفهام الجاري طرحها هذه الأيام تلك التي توضع أمام مستقبل العمل الخيري والتنموي العابر للحدود. النظام العالمي الجديد الآخذ في التشكل بسرعة فائقة يعيد تشكيل أو تعريف أو تحديد مصير منظومة المساعدات التنموية والطارئة العابرة للحدود.

ربما بدأه الرئيس ترامب قبل أيام بقراراته المفاجئة بتجميد المساعدات الخارجية، لكن الاتجاه الدولي نحو تقليص المساعدات من جهة، وربطها بمصالح مختلفة للدول المانحة من جهة أخرى بدأ قبل سنوات.

كل ما فعله الرئيس الأمريكي هو إزالة هالة الحرج أمام هذا التوجه، وتيسير عملية وضع شروط صارمة ومعايير مهندسة تضمن تحقيق مصالحها في مقابل كل يورو أو فرنك يتم دفعه.

الذراع الأكثر نعومة للسياسة والدبلوماسية تجري إعادة هيكلتها، بما في ذلك الأموال التي كانت تخصص لمنظمات أممية عديدة. هذه المنظمات مرتبكة للغاية، فأمريكا هي مانحها الأكبر، وعمل مختلف الوكالات والبرامج المنتمية لمظلة الأمم المتحدة بات على المحك، ومستقبلها غير مضمون، أو على الأقل جارٍ سن قواعد ومعايير جديدة لعملها.

البعض يرى أن جانباً من المساعدات التي تخصصها الدول الكبرى لغيرها يعد نوعاً من التكفير عن ذنوب الاستعمار، بينما آخرون يعتبرون المساعدات استعماراً حديثاً، وفريق ثالث يتعامل مع المساعدات العابرة للحدود على اعتبار أنها تحقق للدول المانحة مصالح ومكاسب أكبر من تلك التي تحققها الدول المستقبلة لها، وذلك على هيئة تأمين مصالح، وضمان ولاء، وغيرهما.

وبعيداً عن الغايات من المساعدات الغربية، وهي المنظومة التي يعود تاريخها الموثق إلى القرن الـ19، فإن العالم مقبل على منظومة مختلفة، منظومة ستؤثر في طرفي المساعدات.

والمرجح أن ما ستوفره الدول المانحة التي تقلص مساعداتها، وتضع أولويات الإنفاق الداخلي من دفاع وتسليح وضمان اجتماعي وتأمين صحي وغيرها قبل أهداف «مساعدة» الدول الأخرى، ستفقده على صعيد السياسة والمصالح الخارجية.

الدول المستقبلة لهذه المساعدات ستتأثر بكل تأكيد، لكن يرجح أن تسارع دول أخرى قادرة على المنح (مثل الصين) لسد جانب من الفراغات، وذلك تحقيقاً لمصالحها من جهة، وتسجيل هدف في مرمى الدول المنسحبة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

عملية الإحلال والتبديل المتوقعة تستحق التأمل، وآثارها جديرة بالتحليل. بحسب «مركز الإمارات للسياسات»، أكبر خمسة قطاعات للمساعدات الأمريكية في الشرق الأوسط بين عامي 2013 و2022 كانت بالترتيب:

المساعدات الإنسانية، التنمية الاقتصادية، الديمقراطية وحقوق الإنسان والحوكمة، التعليم والخدمات الاجتماعية، والصحة. أما أكبر خمسة قطاعات للمساعدات الصينية للشرق الأوسط في السنوات نفسها، فهي: النقل والتخزين، الطاقة، الصناعة والتعدين والإنشاءات، التعليم، ودعم الموازنة العامة.

المقارنة مثيرة، وتقول الكثير عن أولويات المانحين، بغض النظر عن احتياجات الدول المستقبلة للمساعدات. ورصد آثار الاتجاه الغربي لتقليص المساعدات، وربطه بقضايا مثل الهجرة واللجوء، على الدول المستقبلة للمنح، سواء في الشرق الأوسط أو أفريقيا أو جنوب شرق آسيا، ومدى قدرتها على الصمود أمر مهم.

ما يجري أبعد بكثير من مجرد انتقاد سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة في هذا الاتجاه، أو مطالبة الدول الأوروبية الماضية قدماً في الطريق نفسه بالتمهل والتروي. إذا كان هناك ما يسمى بـ«نظام عالمي جديد»، فإن ما يجري من تغيير في دفة ومحتوى وكمية وأهداف المساعدات الأجنبية في القلب منه.

يصعب، أو يستحيل مطالبة الدول المعتمدة بشكل رئيسي على المساعدات الأجنبية أن تستيقظ ذات صباح، وتصبح معتمدة على نفسها وقدراتها ومواردها وإمكاناتها، لكن يبدو أن الوقت قد حان، من يرغب من هذه الدول أن تحول هي الأخرى دفة اقتصادها ومسار تنميتها في اتجاهات أخرى.

وحتى لو أعادت الإدارة الأمريكية بعضاً من هذه المساعدات بعد 90 يوماً، أو جاء رئيس أمريكي آخر بعد أربع سنوات يؤمن بأهمية هذه الذراع الدبلوماسية، وحتى لو خفتت شعبية التيار اليميني في الدول الأوروبية المانحة، فأغلب الظن أن منظومة المساعدات لن تعود كما كانت.

وربما في ذلك فائدة للدول المتضررة أيضاً لتعديل منهج التنمية وتصحيح مسارها نحو «الاستقلال».



شريط الأخبار