وماذا بعد؟

جمال الكشكي
بدأت القمة العربية وانتهت.. قال العرب كلمتهم.. ثمة سؤال يطرح نفسه الآن بقوة: ماذا بعد القمة العربية التي عُقدت الثلاثاء الماضي في القاهرة؟ وإلي أين يصل صوت العرب؟ وإلى أي مدى يمكن أن تسهم القرارات الثلاثة والعشرون في قطع الطريق أمام التهجير وتصفية القضية الفلسطينية؟

بداية، جاءت قمة الرابع من مارس الجاري، لتضع حداً للمخططات العلنية، سواء كانت من اليمين الإسرائيلي المتطرف، أم من الرئيس الأمريكي الطامح إلى إيقاف الحرب على حساب الشعب الفلسطيني، وهذا لا يناسب لا الاستقرار العربي، ولا الإقليمي أو الدولي.

إنما جاءت قمة القاهرة العربية الطارئة لتؤكد الإجماع العربي، وتعترف بأن هناك تحديات عظمى، ولا بد من الاستجابة لهذه التحديات، وعبورها وتحقيق جوهر الاستقرار العربي والعالمي.

القمة قدمت خطة مدروسة واستراتيجية، وقابلة للتنفيذ لتغلق الأبواب، وتسد الذرائع وتسقط الادعاءات، وتبطل مفعول مؤامرات التهجير، وقنابل تصفية القضية الفلسطينية.

خطة العرب بشأن الإعمار لا تعني البناء بمفهومه التقليدي، إنما صلب وعصب الحفاظ على الشعب الفلسطيني موحداً، وغير منقسم، وهنا أقول لا بد من تكوين قيادة فلسطينية واحدة بعيداً عن المفهوم الذي ساد طويلاً على مدى ثمانية عقود، أي مفهوم الفصائل التي خضعت طوال الوقت إلى استقطابات إقليمية ودولية، واتخذها البعض في وقت من الأوقات بندقية للإيجار.

والحقيقة أن الشعب الفلسطيني صاحب أشرف قضية وأطول مظلمة في العصر الحديث، ويجب ألا يكون بعدة رؤوس، فقد أثبتت التجارب أن هذه الرؤوس تتصادم دائماً، وتنحرف عن المسار الحقيقي، أي مسار التحرير من الاحتلال، وأظن أن إسرائيل لعبت دوراً في تغذية هذا المسار حتى لا تدفع استحقاقها.

الخطة العربية على قوتها وأهميتها لن تصبح ذات جدوى، إذا واصلت الحالة الفلسطينية أدبيات الانقسام والتشظي، والسباق نحو السلطة التي لا توجد حقيقة إلى الآن.

فالحق أقول إن اللحظة تتطلب السمو عن الصراعات الصغيرة من أجل المصلحة الوطنية الكبرى، والحق أقول أيضاً إن قضية فلسطين هي قضية تحرير وطن مثلها مثل أي قضية أخرى حدثت في التاريخ، ويجب ألا نرمي عليها أردية عقائدية من شأنها عرقلة التحرير الفعلي.

خطة قمة القاهرة، التي لقيت قبولاً عربياً ودولياً، عدا أمريكا وإسرائيل، إنما هي خطة بمثابة وسيلة لتلقف أفاعي المخططات.

لا شك في أن صمود العرب حول خطتهم هذه، وطريقة عرضها على الدبلوماسية العالمية، ستجعلان إسرائيل وأمريكا محشورتين في الزاوية، فكثير من دول العالم تعترف بدولة فلسطينية ومنها دول أوروبية، ناهيك عن ترحيب الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وأفريقيا وآسيا بالخطة العربية القابلة للتنفيذ الفوري.

إذن نحن أمام مرحلة فاصلة في تاريخ القضية الفلسطينية، وعلينا استثمار هذه اللحظة العربية العروبية في استخدام كل الأوراق التي لدينا وهي كثيرة، لا سيما أن الخطر هنا أبعد من غزة، بل إنه يستهدف الخرائط العربية التي بدأ يتصارع عليها أكثر من طرف إقليمي ودولي.

والعرب ليسوا رجل العالم المريض لتتقاسم هذه الأطراف ميراثه الحضاري، والإنساني والجغرافي، ومن ثم فإن أوراق هذه القمة وصلت رسائلها إلى من يهمه الأمر.

بقي علينا نحن العرب الاستجابة للتحدي لعبور اللحظة الفارقة في تاريخ العالم، فثمة نظام دولي يتصدع نهائياً، ويجب ألا نكون ضحية من ضحايا هذا التصدع، وأظن أن العقل العربي قادر على صياغة الموقف حسب مصالحه الاستراتيجية، وهي كثيرة.

أخيراً أقول إن ترحيب ودعم الأشقاء العرب لنتائج قمة القاهرة، إنما هي الرسالة القوية أمام العالم التي تؤكد وحدة الرأي والموقف الرافض للتهجير، ولتصفية القضية ومواجهة تهديدات الأمن القومي العربي، فلا شك في أن العرب التقطوا خيوط الخطر، وتحركوا بقوة وحكمة للحفاظ على استقرار المنطقة المرتبط قطعاً باستقرار فلسطين.



شريط الأخبار