د. موزة غباش
جاء شهر الخيرات، شهر رمضان المبارك، ويسرني باسمي واسم رواق عوشة بنت حسين الثقافي، أن نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وإلى نائبيه، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، وإلى إخوانهم أصحاب السمو الحكام وأولياء العهود، وإلى شعب الإمارات وإلى الأمتين العربية والإسلامية، سائلين المولى عز وجل أن يكون شهر خير وبركة وطمأنينة وسلام لكل شعوب العالم، وأن يعيد هذه المناسبة الفضيلة عليهم بالخير والمحبة والأمن والأمان.وقد يكون شعوري تجاه شهر رمضان المبارك، لا يختلف عن شعور أي شخص آخر في العالم، ولكني أكاد أجزم أن خصوصية شهر رمضان في الإمارات لا تشبهها أي خصوصية أخرى، فتلك العناصر الكثيرة، ابتداءً من «حق الليلة» في نصف شعبان وحتى صلاة العيد، قد شكلت في مجموعها بصمة وهوية إماراتية راسخة، لا تستقل تماماً عن هويتها الإسلامية والعربية الرمضانية لكنها تأخذ مكانة خاصة في هذا الكيان الفلسفي الجميل.
منذ مئات الأعوام، كان لكل عام في هذه الأرض إضافة تراثية جميلة لهذا الشهر الكريم، لمسات سحرية من الأسلاف على كل مفردة أو عنصر من عناصر هذا التراث الرمضاني الإماراتي، سواء تلك التي تمكنوا من إضافتها إلى أعمالهم أم في حياتهم الاجتماعية، وعلى رأسها الإحساس الإماراتي العميق والجميل بالآخرين، فأصبح المير الرمضاني الإماراتي مثلاً هو هوية عالمية تعبر عن قيم مجتمعنا الأصيلة كالعطاء والتكافل، فأصبحت روح هذه الهوية تعبر عن نظام أخلاقي يرسخ أن الثروة مسؤولية اجتماعية قبل أن تكون امتيازاً شخصياً.. وأن الجوع لا مكان له في مجتمع الإمارات، وأن العزلة تكسر بالمحبة، ورمضان يعيد تشكيل مفهوم الجماعة على أسس الرحمة والتضامن.
تمكن الأسلاف والأجداد والجدات، وكذلك الآباء والأمهات، من وضع أركان يقوم عليها التراث الرمضاني الإماراتي، ووضع هوية تمتد عبر مساحات وإيقاع يتحرك بشكل موحد في كل مكان، تحت نغمة جماعية واحدة من الخيط الأبيض إلى صوت المدفع.. ومن الإفطار الإماراتي إلى التراويح وليس انتهاءً بالسحور، فارتبطت جميع هذه المفردات والعناصر ببعضها بعضاً، ترسم حكاية شعب يتمسك بجذوره ودينه وتراثه، ولا يبدله بالغالي والنفيس.
يجسد التراث الرمضاني الإماراتي مزيجاً فريداً من القيم الروحية والاجتماعية التي تعبر عن الهوية الوطنية وترسخها عبر الأجيال.. فرمضان في دولة الإمارات، هو نظام فلسفي متكامل يربط الفرد بمجتمعه، ويربط الماضي بالحاضر، ويعيد إنتاج القيم الإنسانية وعلى رأسها العطاء المنظم كموائد الإفطار الجماعية، وصناديق المير الرمضاني، وأيادي الخير الممدودة في كل زاوية والتي تعكس جميعاً هوية واحدة لا يمكن محوها أو التأثير عليها.
رمضان في الإمارات تجربة متفردة فالمائدة الرمضانية تحمل تاريخاً يروى من جيل إلى جيل، فمثلاً حين نطهو الهريس لساعات على نار هادئة، فهو يجسد، بالنسبة لنا، الصبر والتماسك.. وحين نرى حبات التمر على مائدة الإفطار، فإن ذلك يعيدنا إلى بساطة الأجداد، كل لفة رمضانية، كل لقمة ونكهة تروي قصة، وكل وصفة تربطنا بماضينا الجميل.
أحب همة رجالنا وشبابنا وأطفالنا وحتى كثير من نسائنا في الذهاب إلى صلاة التراويح، وهناك تتلاشى الفوارق، وتذوب الهويات الفردية في صوت واحد.. إنها لحظة تعيد ترتيب الروح وسط زحام الحياة. بعد الصلاة.. الأطفال يركضون في الساحات، يلعبون ألعابهم الشعبية كـ «عُظَيم لوّاح» و«العيالة»، الشوارع تمتلئ بالحياة.. رمضان يعيد إحياء النفس، يمنحها إيقاعاً مختلفاً.
أصبح شغفي، منذ سنوات طويلة، تمتد ليوم أسست رواق عوشة بنت حسين الثقافي بدبي في بداية تسعينيات القرن الماضي، أن أكون موجودة في توزيع المير الرمضاني، منذ منتصف شعبان وأن أقف عند توزيع وجبات الإفطار اليومية المجانية، ألبي احتياجات هذا وأساعد ذلك، وأعلم أن هذا ليس شغفي وحدي، بل شغف كل إماراتي والسبب هو هذه الهوية الجامعة التي توحدنا في الكرم والعطاء والحب والتكافل. هناك من يرى تراثنا الرمضاني مجرد طقوس وهناك من يراه ذاكرة حية تعيد إنتاج الهوية في كل عام.
على كل الأحوال هو فلسفة تربط الفرد بمجتمعه، وتجعل من الصيام والعبادة مساحة لبناء الإنسان والمكان معاً، وحيث تضاء الفوانيس الرقمية إلى جانب المدافع التقليدية، يعاد إنتاج التراث كحوار مفتوح بين الأصالة والابتكار.
حتى «موائد الرحمة»، التي تجمع عشرات الجنسيات، فهي تقدم نموذجاً للهوية السائلة التي لا تنكر جذورها، بل تحول التنوع إلى قوة. في كل رمضان، تكتب صفحة جديدة في سفر الهوية الإماراتية والوعي الجمعي، نستذكر كل ما يوحدنا ويجمعنا، في شبكة القيم الاجتماعية، والتقاليد العريقة، والموروثات الروحية، وفي المشهد الثقافي المتكامل الذي يعكس جوهر الشخصية الإماراتية، نعيش عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة العريقة ونهدي العالم أجمع باقات الحب والتسامح.
كل عام وأنتم بألف خير.